عماد الدين خليل

176

دراسة في السيرة

المدينة . . قريش وأحلافها من بني كنانة وأهل تهامة والأحابيش يقودها أبو سفيان ابن حرب ، وغطفان يقودها عيينة بن حصن الفزاري ، وبنو مرة يقودها الحارث بن عوف ، وأشجع يقودها مسعود بن رخيلة . . وما أن سمع الرسول صلى اللّه عليه وسلم أنباء التحرك الخطير حتى بدأ يخطط لصد أكبر هجوم على الإسلام منذ مولد الدعوة الإسلامية ، وكان الأمر يحتم اتخاذ خطة دفاعية ، فاستشار أصحابه ورسم معهم ما يجب عمله وهو يقضي فيما أشار به سلمان الفارسي رضي اللّه عنه بحفر الخندق لحماية الأجزاء الشمالية المكشوفة من المدينة . . أما الأجزاء الآخرى فكانت تتمتع بحصانة طبيعية حيث تمتد حرة وأقم إلى الشرق ، وحرة الوبرة إلى الغرب وتتكاثف أشجار النخيل إلى الجنوب . . وكان سائر المدينة فيما عدا جهة الشمال كما يقول ابن سعد : مشبكا بالبنيان فهي كالحصن « 1 » . . الأمر الذي جعل فكرة حفر الخندق أمرا يمكن تنفيذه قبل انقضاض الأحزاب . . قسم الرسول أصحابه إلى مجموعات كل منها تتكون من عشرة أشخاص كلفوا بحفر أربعين ذراعا . . وأسهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم مع سائر العاملين في حفر الخندق بهمة ودأب ، وراح ينقل التراب مع أصحابه وينشد وإياهم وقد غطى التراب على بطنه وصدره : لا همّ ، لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأولى لقد بغوا علينا * إذا أرادوا فتنة أبينا وكلما وصلوا المقاطع الأخيرة مدها الرسول رافعا بها صوته « 2 » . . ويحدثنا أحد الصحابة الذين كانوا يعملون في الخندق فيقول : كنت أرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإنه ليضرب مرة بالمعول ومرة يغرف بالمسحاة التراب ومرة يحمل التراب في المكتل ، وقد رأيته يوما بلغ منه فجلس صلى اللّه عليه وسلم ثم اتكأ على حجر على شقه الأيسر ، فذهب به النوم فرأيت أبا بكر وعمر واقفين على رأسه يبعدان الناس أن يمروا به فينبهوه « 3 » ، وقد أدى هذا كله إلى جعل أصحابه يتفانون في العمل ولا يغادر أحدهم موقعه لقضاء حاجياته إلا بعد استئذان الرسول صلى اللّه عليه وسلم وما أن ينتهي حتى يعود

--> ( 1 ) ابن سعد 2 / 1 / 48 الواقدي 2 / 450 . ( 2 ) ابن سعد 2 / 1 / 51 الواقدي 2 / 449 . ( 3 ) الواقدي 2 / 453 .